ملا محمد مهدي النراقي

156

جامع السعادات

بمجرد ذلك ، من دون قصد تكبر أو رئاسة أو عداوة أو غيرها من أسباب الحسد . وقد تجتمع هذه الأسباب أو أكثرها في شخص واحد ، فيعظم لذلك حسده ، وتقوى قوة لا يقدر معها على المجاملة ، فتظهر العداوة بالمكاشفة . وربما قوي الحسد بحيث يتمنى صاحبه أن يزول عن كل أحد ما يراه له من النعمة ، وينتقل إليه . ومثله لا ينفك عن الجهل والحرص ، إذ هو يتمنى استجماع جميع النعم والخيرات الحاصلة لجميع الناس له ، ولا ريب في استحالة ذلك ، ولو قدر إمكانه لا يمكنه الاستمتاع بها ، فلو لم يكن حريصا لم يتمن ذلك أصلا ، ولو كان عالما لدفع هذا التمني بقوته العاقلة . ( تنبيه ) بعض الأسباب المذكورة ، كما يقتضي أن يتمنى زوال النعمة والسرور به كذلك يقتضي تمني حدوث البلية والارتياح منه . إلا أن المعدود من الحسد هو الأول والثاني معدود من العداوة . فالعداوة أعم منه ، إذ هي تمني وقوع مطلق الضرر بالعدو ، سواء كان زوال نعمة أو حدوث بلية . والحسد تمني زوال مجرد النعمة . فصل لا تحاسد بين علماء الآخرة والعارفين الأسباب المذكورة إنما تكثر بين أقوام تجمعهم روابط يجتمعون لأجلها في مجالس المخاطبات ويتواردون على الأغراض ، فإذا خالف بعضهم بعضا في غرض من أغراضه ، أبغضه وثبت فيه الحقد ، فعند ذلك يريد استحقاره والتكبر عليه ، ويكون في صدد مكافأته على المخالفة لغرضه ، ويكره تمكنه من النعمة التي توصله إلى أغراضه ، فيتحقق الحسد . ولذا ترى أنه لا تحاسد بين شخصين في بلدتين متباعدتين ، لعدم رابطة بينهما ، إلا إذا تجاورا في محل واحد ، وتواردا على مقاصد تظهر فيها مخالفة بينهما ، فيحدث منهما التباغض ، وتثور منه بقية أسباب الحسد . وترى كل صنف يحسد مثله دون غيره ، لتواردهما على المقاصد ، وتزاحمهما على صنعة واحدة . فالعالم يحسد العالم دون العابد ، والتاجر يحسد التاجر دون غيره إلا بسبب آخر سوى الاجتماع على الحرفة ، وهكذا يغم من اشتد حرصه على حب الجاه وأحب الصيت والاشتهار في جميع أطراف العالم وشقاق